عبد الملك الجويني

306

نهاية المطلب في دراية المذهب

وفي القلب من هذا شيء ، فإني لم أر هذا لغيره ، والذي ذكره بعض الأصحاب أنه يترك حتى يسيل صليبه وودكه ، والتساقط يقع بعد هذا بمدة طويلة ، وإذا كنا ننتظر سيلان صليبه ، فلا نبالي بإنتانه ؛ إذ لا بد من هذا . 11182 - ثم إذا قلنا : يترك على الصليب ثلاثة أيامٍ أو أقل ، فيُنزل ، ويسلّم إلى أهله ، حتى يغسلوه ، ويكفنوه ، ويصلى عليه ، ويدفن في مقابر المسلمين . وقال أبو حنيفة ( 1 ) : لا يغسل ولا يصلى عليه تغليظاً ، ولا يبعد أن يقول ذلك هاهنا ، وقد صار إليه في البغاة المتمسكين بالتأويل . وإن قلنا : يترك على الصليب حتى يسيل ودكه ، فقد قال الصيدلاني : يقتل على الأرض ويغسل ويصلى عليه ، ثم يصلب ، ثم اتفق الأصحاب في الطرق أن الغسل والصلاة لا يتركان ، وذكر وقت الصلاة والغسل الصيدلاني ، وهذا الذي ذكره يتفرع على ما هو ظاهر المذهب ، وهو أنه يقتل على الأرض ، فإن فرّع متفرع على أنه يقتل بعد الصلب ، ويترك على الصليب ، فتصوير غسله والصلاة عليه عسر ؛ سيّما إذا بالغنا ورأينا أن يترك حتى يتساقط ، ولو قال : نجمع عظامه ونصلي عليها ، كان في نهاية البعد . فهذا منتهى القول في ذلك ، نقلاً وإمكاناً ، وقد انتجز الكلام في عقوبة من يأخذ المال ولا يقتل ، وفي عقوبة من يقتل ولا يأخذ المال ، وفي عقوبة من يجمع بينهما . 11183 - وبقي الكلام في قوله تعالى : " وينفوا من الأرض " وهذا مذكور على سياق ذكر عقوبات المحاربين ، ولأصحابنا في معنى النفي من الأرض مسلكان : أصحهما - وهو الذي ذكره الجماهير - أن معنى نفيهم من الأرض إذا ولَّوْا لما شعروا بأنهم مطلوبون ، فالإمام يُلحق الطلب بهم ، وهم يدأبون في الهرب ، وأصحاب الإمام لا يقصرون في الطلب فيتشردون مطلوبين ، والغرض أن يُلحقوا ، فإن كانوا استوجبوا حدوداً ، أقيمت عليهم ، وإن لم يقترفوا ما يوجب الحد ، ولكن تجمعوا

--> ( 1 ) ر . المبسوط : 10 / 131 .